نبدأ
رحلة "حج بقلبك "
لا
شك أن مناسك الحج كلها عبادة لله تعالى، وتعظيم لشعائره، فالحجاج مدة مقامهم بمكة مأمورون بذكر الله
وشكره، وحسن عبادته، فهم بعد أن يقدموا مكة قد يتحللون من إحرامهم إن كانوا
متمتعين، وينشغلون بعد التحلل بأنواع من العبادة: كالطواف تطوعا، والصلاة في المسجد
الحرام وكثرة الذكر، والتكبير المطلق في الأيام المعلومات، وهي أيام عشر ذي الحجة،
امتثالا لقوله تعالى : وَيَذكروا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلومَاتٍ عَلَى
مَا رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأَنعَامِ .
ولا
شك أن ذلك مما يزيدهم إيمانا وتقوى، ويحبب إليهم
الطاعة وأنواع العبادة، ويكرّه إليهم المعاصي والمخالفات .
فإذا
كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، أحرموا بالحج، بعد أن تمتعوا بتناول المباحات بين
العمرة والحج، وأعطوا أنفسهم بعض شهواتها التي تستعين بها على الطاعة، وتعرف بها تمام
نعمة الله تعالى فبعد أن جددوا الإحرام في هذا اليوم، تقربوا إلى ربهم مرة أخرى
بترك هذه المباحات، وفطموا أنفسهم عن هذه المشتهيات، وجددوا التلبية، رفعوا
أصواتهم بالإهلال، متذكرين ما شرع لأجله هذا الإحرام، متفكرين في حالهم وما يعملونه
فيما بعد.
لماذا سمي يوم التروية بهذا الاسم ؟
سمي بهذا
لأنهم كانوا يتروون فيها إبلهم ويتروون من الماء لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك
فيها آبار ولا عيون .
وذكر
الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " في تسميته التروية أقوال أخرى شاذة :
منها
: أن آدم رأى فيها حوى واجتمع بها .
ومنها
: أن إبراهيم رأى في ليلته أنه يذبح ابنه فأصبح يتروى .
ومنها
: أن جبريل عليه السلام أرى فيه إبراهيم مناسك الحج .
متى يحرم الحاج المتمتع في يوم التروية ؟
فيه
قولان للعلماء وروايتان في مذهب الإمام أحمد أصحهما أنه يحرم عقب الزوال، - أي بعد
صلاة الظهر - وهذا ما فعله النبي – صلى الله عليه وسلم- كما في
حديث جابر –رضي الله عنه- قال: "حتى إذا كان عشية التروية أو يوم التروية جعلنا مكة
بظهر، ولبينا بالحج" رواه أحمد في مسنده وأصله في مسلم .
وروى
البخاري من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: " أمرنا
عشية التروية أن نهل بالحج" العشية أو العشي إنما يطلق على ما بعد الزوال، وما قبله
يسمى الغداة كما في القرآن الكريم "بالغداة والعشي " [الأنعام:52] الغداة ما
قبل الزوال، والعشي هو ما بعد الزوال.
أعمالهم في هذا اليوم :
في
ذلك اليوم يتوجهون إلى منى وهي أحد المشاعر التي تؤدى فيها بعض
مناسك الحج، ويقيمون فيها ذلك اليوم والليلة التي تليه، وهي ليلة عرفة وفي هذا
المكان يشتغلون بالذكر والتكبير والتلبية، والدعاء والابتهال، وهو أول أيام
سفرهم إن كانوا من أهل مكة ولذلك يصلون في هذا المكان الصلوات الخمس في مواقيتها،
ويقصرون الرباعية، ويبدءون بالتلبية بعد كل صلاة.
هل يجمعون الصلاة يوم التروية ؟
سئل الشيخ ابن باز – عليه رحمة الله - هل يجوز للحجاج في منى يوم
التروية ، وأيام التشريق الجمع كما جاز لهم
القصر ، ومن جمع ، فهل جمعه صحيح؟
فأجاب
:
لا أعلم مانعا من جواز الجمع . لأنه إذا جاز القصر فجواز الجمع من باب
أولى لأن أسبابه كثيرة بخلاف القصر ، فليس له سبب إلا السفر . ولكن تركه أفضل . لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع في منى لا في يوم التروية ولا في أيام التشريق
، وللمسلمين فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة .
معاني يوم التروية :
لا
شك أن نزولهم بمنى في هذا اليوم من أفضل
القربات ففيه أنهم نزلوا فيه كالمسافرين، وعلموا أنه ليس مستقرا لهم; بل
سوف يرحلون عنه بعد قليل، متذكرين به الرحيل من الدنيا، وفيه اعتبار جميع الحجاج
مسافرين، متذكرين بذلك سفر الآخرة حيث إن الدنيا كلها دار ظعن وارتحال، وإن الناس
فيها سائرون إلى آجالهم، ثم إن هذا المبيت بمنى في مساء يوم التروية سنة مؤكدة،
يحافظ عليها الحجاج لإكمال مناسكهم، مقتدين في ذلك بنبيهم - صلى الله عليه وسلم- في
مبيته ورحيله ومنازله، فيحرصون على اتباعه، والتقيد بما جاء عنه.
وهكذا
يبقون في منى إلى صبح يوم عرفة فبعد الصباح وطلوع الشمس يرحلون مرة أخرى إلى عرفة ثم
يواصلون أعمالهم إلى آخر مناسكهم .