|
ليلة القدر والعشر الأواخر
الشيخ / هاني حلمي
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
حبيبي في الله ..
ها قد بلغنا آخر المحطات ، وآن أوان
الجد والاجتهاد ، إننا في مرحلة ( وسارعوا ) و( سابقوا ) فأخرج كل ما بوسعك من جهد
فالغنيمة عظيمة ، والثمرة تستحق بذل الغالي والنفيس للحصول عليها ، الثمرة هذه
المرة ( ليلة القدر )
]
وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ
خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ
رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [
اجتهد أبو موسى الأشعري رضي الله
عنه قبل موته اجتهادًا شديدًا ، فقيل له : لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق ؟
فقال : إنَّ الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها .
فجدَّ واجتهد ، فقد كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره ، و أحيا ليله ، و أيقظ أهله .[
متفق عليه ]
،
وكانت أمنا عائشة تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في
العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره
.[
رواه مسلم ] ، فإياك أن تكون
من المحرومين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
]
إن هذا الشهر قد حضركم ، وفيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرمها فقد حرم الخير كله ،
و لا يحرم خيرها إلا محروم [ [رواه
ابن ماجه وحسنه الألباني ]
وكيف لا
يُحرم الخير كله ؟
وهي أعظم
ليالي الدهر ، ليلة مباركة العمل فيها يضاعف أكثر من العمل في ألف شهر ، ليلة تضيق
فيها الأرض من كثرة الملائكة ، ليلة الشرف من تحرَّاها صارت له المنزلة عند الله ،
ليلة يباهي الله فيها الملائكة بعباده الصالحين ، و فيها يقدر الله تعالى لملائكته
جميع ما ينبغي أن يجري على أيديهم من تدبير بني آدم ومحياهم ومماتهم إلى ليلة القدر
من السنة القابلة ، وهي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا يحدث
فيها أذى ، وهي سبب للسلامة والنجاة من المهالك يوم القيامة ، فقد قال صلى الله
عليه وسلم : " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه "
[
متفق عليه ]
حبيبي في الله ...
وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم بتحريها في أوتار العشر الأواخر من رمضان ، وكان سلفنا الصالح يحتاطون
فيتلمسون ليلة القدر في جميع ليال العشر .
والصحيح في علامتها ، أنْ تشرق
الشمس يومها لا شعاع لها ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :
]
ليلة القدر ليلة سمحة طلقة لا حارة و لا باردة ، تصبح الشمس
صبيحتها ضعيفة حمراء [
[
رواه البيهقي في سننه وصححه الألباني].
وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في
العشر الأواخر من رمضان وفي العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين
يوماً طلبًا لهذه المنحة الربانية العظيمة ، فالمقصود من الاعتكاف : تحري ليلة
القدر ، و الخلوة بالله عز وجل ، والانقطاع عن الناس ما أمكن حتى يتم الأنس بالله
عز وجل وذكره ، وإصلاح القلب ، فإذا كان بإمكانك الاعتكاف فلا تدعه فإنَّه سنة
مؤكدة عن رسول الل
، وإن لم يكن بإمكانك فلا أقل من المكث طيلة الليل في المسجد للصلاة والذكر والدعاء
، فعساك توفق لليلة القدر فتجدك الملائكة مقيمًا على طاعة في بيت من بيوت الله ،
وهذا – لا ريب – أدعى للرحمة .
نصائح العشر
(1) لا نوم في ليالي
العشر :
فقد كان النبي صلى
الله عليه وسلم يحيي ليالي العشر وهذا بالتهجد فيها والصلاة .
(2) أعن الأهل على العمل
الصالح .ففي حديث أبي ذر أن
النبي صلى الله عليه وسلم لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين ، وخمس و عشرين ذكر أنه دعا
أهله و نساءه ليلة سبع و عشرين خاصة ، و هذا يدل على انه يتأكد إيقاظهم في أكد
الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر .
قال سفيان الثوري : أحب إلي إذا
دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل و يجتهد فيه ، و ينهض أهله و ولده إلى الصلاة إن
أطاقوا ذلك .
(3) أكثر من الدعاء فيها
: فقد أمر النبي
r
أم المؤمنين عائشة بالدعاء فيها . قالت عائشة
- رضي الله عنها
- للنبي
r
: أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها قال :
]
قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني
[.
وكان سفيان الثوري يقول : الدعاء في
تلك الليلة أحبُّ إليَّ من الصلاة ، و إذا كان يقرأ ، وهو يدعو ، ويرغب إلى الله في
الدعاء و المسألة لعله يوافق . فكثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها
الدعاء ، و إن قرأ و دعا كان حسناً .
(4) تطهير الظاهر
والباطن : فقد
كان السلف
يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر ، و منهم من كان يغتسل و يتطيب
في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر ، فلا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من
زين ظاهره و باطنه .
(5) ليلها كنهارها لا
تغفل عن ذلك ، فقد ذهب بعض
السلف إلى اعتبار ليلة القدر كنهارها في لزوم الاجتهاد في العمل الصالح .
قال الإمام الشافعي: استحب أن يكون
اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها . وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان
العشر الأواخر ليله ونهاره .
(6)
من أشرف العبادات التي تتقرب إلى
الله بها في هذا الوقت " التبتل " أي الانقطاع إلى الله ، قال تعالى :
]
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
[
[ المزمل : 8-9 ]
ففرِّغ قلبك له ،
فلا جدال ، لا مناقشات ، لا اختلاط فاحش ،
أغلق الهاتف ، وانس همومك ، ودع
مشاغلك
، عليك بالانفراد بنفسك والتحلي بمناجاة ربك وذكره ودعائه .
(7) تحسس قلبك ، راقب نيتك ، فنية
المرء خير من عمله ، فاحتسب وتقرب .
(8) تذكر أنه على قدر اجتهادك ستكون
منزلتك ، فلا تدع بابًا للخير إلا طرقته ، وتنوع الطاعات علاج لطبيعة الملل عند
الإنسان .
(9) عليك بالمجاهدة والمعاناة مع
الصبر والاصطبار قال بعضهم : من
أراد أن تواتيه نفسه على الخير عفواً فسينتظر طويلاً بل لابد من حمل النفس على
الخير قهراً .
(10) قلل من كلامك ، فأحصِ عدد
كلماتك في اليوم والليلة فعليك بهذه الأمور ، فعليك بالصمت ، فمن صمت نجا .
(11) تذكر هذا زمان السباق ، فلا
ترضَ بالخسارة والدون : قال أحدهم : لو أنَّ رجلاً سمع برجل هو أطوع لله منه فمات
ذلك الرجل غمَّا ما كان ذلك بكثير . فهل ترضى بهذا الحرمان ، يفوز الناس بالمغفرة
والرحمة والعتق وتضاعف أعمالهم ، ويبغون الجنة ، وأنت في مكانك كبلتك الخطايا ، لا
.. لا يمكن أن ترضى ، لذلك ستجتهد حتمًا بإذن الله .
(12) أحسن الظن بالله ، فلو فاتك
شيء قم واستدرك لعلك تعوضه ، فإنَّه يمنع الجود سوء الظن بالمعبود ، ولو أحسنت الظن
بالله ستحسنُ العمل ، لأنك ستحبه حبًا عميقًا . اللهم نسألك حبَّك ، وحبَّ من يحبك
، وحب كل عمل يقربنا إلى حبِّك .
(13) لتكن لك عبادات في السر ، لا
يطلع عليها إلا الله ، فهذا أدعى للإخلاص .
قال صلى الله عليه وسلم :
]
صلاة الرجل تطوعا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس
خمسا و عشرين
[
[ رواه أبو يعلى وصححه الألباني ]
(14) اجمع بين الكم والكيف ، نريد
أعمالًا ضخمة فذة كبيرة ، لم تصنعها في عمرك ، هذا العام ستقوم بها ، نعم ستقوم بها
، فهي علامة صدقك في طلب رضا الآخرة ، وابتغائك ما عنده من الخير العميم ، ولن ترضى
عن نفسك حتى تصنع أقصى ما تستطيع ، وبعدها ستقول : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك .
أعمال فذة مقترحة للمجتهدين .
ترددت كثيرًا في كتابة هذه الأعمال
، لأنَّ كثيرًا من الناس يقول : إنه يستبعد وجودها في زماننا ، وأنه كلام يصلح لعصر
السلف ، وأنه يُحبط عند سماع ذلك ، لكن الذي دفعنني إليه ، أنّه بفضل الله هناك
إخوة وأخوات أشعلوا الحماس فينا جميعًا ، استجابوا للبرنامج العملي الذي اقترحناه
هذا العام ، فهناك – والله الذي لا إله غيره - من ختم القرآن في ركعة الوتر ، ومن
صلى (300) ركعة ، ومن استغفر (20) ألف مرة ، هؤلاء لماذا يسبقوك ؟ هؤلاء نحسبهم
صدقوا الله وأخلصوا – والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدًا – فأنا أهدي هذه
الأعمال الفذة لهم ولكل من يريد أن يلحق بهم ، هؤلاء نفذوا الوصية ورفعوا الشعار (
لأرين الله ما أصنع ) – ( لن يسبقني إلى الله أحد ) ( وعجلت إليك ربي لترضى ) فهيا
الحق بهم ولا تفتر ، ولا تثبط ، هؤلاء كلهم في أول الطريق ، فانظر كيف بلغوا ، وأنت
أيضًا ستبلغ ذلك وأكثر بإذن الله .
(1) لماذا لا تختم القرآن كل
ليلة ؟ كما صنعها عثمان
وتميم الداري - رضي الله عنهما - في ركعة الوتر ، وقرأ منصور بن زاذان القرآن كله
في صلاة الضحى ، وكان الأسود النخعي وسعيد بن جبير يختم القرآن في كل ليلتين ، وفي
مصر بعض المشايخ يصنع ذلك رأيته بعيني رأسي ، كان قتادة
t
يختم في سبع ، وفي رمضان في ثلاث ، وفي العشر كل ليلة ، وكان الحافظ ابن عساكر يختم
كل جمعة ، وفي رمضان كل يوم ، وكان الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي يختمان القرآن
في كل يوم مرتين ، وبلغ بالعبد الصالح أبو العباس بن عطاء أن ختم القرآن في اليوم
والليلة ثلاث مرات ، وختم الإمام الضبي القرآن أربع مرات في يوم واحد.
(2) لماذا لا تسجد وتقترب ؟
سجد سفيان الثوري سجدة بعد صلاة المغرب فما رفعها إلا على آذان العشاء ، وكان أبو
جعفر الباقر يصلي كل يوم (50) ركعة ، و كان عبد الله بن غالب يصلي الضحى (100) ركعة
ويقول لهذا خلقنا وبهذا أمرنا ، و كان مُرة بن شراحيل الملقب ب ( مرة الخير ) يصلي
كل يوم (200) ركعة ، وكان الإمام أحمد يصلي كل يوم وليلة (300) ركعة ، وكان الأسود
بن يزيد يصلي كل يوم (700 ) ركعة ، وكان عمير بن هانئ يصلي كل يوم ( ألف) ركعة
ويسبح 100 ألف تسبيحة ، وكان بلال بن سعد من العبادة على شيء لم يسمع في أمة محمد
صلى الله عليه وسلم ، كان يصلي كل يوم وليلة ( ألف) ركعة .
(3) لماذا لا تكون من الذاكرين
الله كثيرًا ؟
كان أبو
هريرة - رضي الله عنه - يسبح ويستغفر في اليوم (12 ألف مرة ) - وهذه صنعها الإخوة
كثيرًا هذا العام والعام السابق - ، وكان خالد بن معدان يسبح (40 ألف تسبيحة ) حتى
مات وأصبعه على عقد التسبيح ، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يسبح (100ألف مرة ) .
(4) الصيام والإفطار على التمر
والماء .
كما كان الحبيب
صلى الله عليه وسلم شهرين لا يوقد في بيته النار ولا يطعم إلا التمر والماء ، وهذا
الإمام أحمد يقول ابنه صالح : جعل أبي يواصل الصوم ، ويفطر في كل ثلاث على تمر
شهرين ، فمكث بذلك خمسة عشر يومًا ، يفطر في كل ثلاث ، ثمَّ جعل بعد ذلك يُفطر ليلة
وليلة ، لا يفطر إلا على رغيف .
(5) صدقة عظيمة بشيء عزيز على
نفسك : فلن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون ، رسول الله يتألف الرجل بغنم بين جبلين ( ثروة بالملايين
الآن ) ، وأبو بكر - رضي الله عنه - يتصدق بماله كله ، وعمر - رضي الله عنه - بشطر
ماله ، وأتي بـ (22 ألف درهم ) فما قام من مجلسه حتى فرقها وكان إذا أعجبه المال
تصدق به ، وعثمان يجهز الجيش بعشرة آلاف درهم ويشتري البئر ليشرب المسلمين بـ (40
ألف درهم ) ويقول له النبي : ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم ، وباع عبد الرحمن بن
عوف – رضي الله عنه – حديقة ب (400 ألف ) وقسَّمها في أزواج النبي ، وطلحة بن عبيد
الله يتصدق في يوم ب (700 ألف ) ، فمن منا سيسبق في هذا الميدان ويتصدق بشيء نفيس
عليه ؟
(6) من سيربح ثواب العمرة في
رمضان
؟ وهناك يعكف على
الصلاة والذكر والقرآن والطواف ، فيطوف ليلة كاملة ، يظل الساعات يطوف حول بيت ربه
، كان محمد بن طارق يطوف كل يوم سبعين مرة ، كل مرة سبعة أشواط .
(7) من ينشر الخير ويدعو إلى
الله ؟ من سيستعمله الله
ويجعله من خدام دينه ؟ من سيفتح الله على يديه هداية قومه وأهل بيته وجيرانه بفضل
إخلاصه وصدقه ؟ وزِّع أكثر ما تستطيع من الكتيبات النافعة والمطويات والأشرطة التي
تحث الناس على عمل الخير، واحتسب أعمالهم في ميزان حسناتك ، فالدال على الخير
كفاعله ، فمن سيحقق الرقم القياسي في ذلك ، فتكتب له أعمال آلاف البشر؟ .
وبعد هذه أعمال فذة تريد رجالا
أصحاب همم عالية ، أنت منهم إن شاء الله ، لا تستثقل العمل ، فقط استعن بالله ،
وانهض ، وقل : لأرين الله ما أصنع ، ستصل بحوله وقوته ، بفضله ورحمته ، لا
بإمكانياتك ، لا بتصوراتك لقدراتك ، ستكون سنة الخير علينا جميعًا ، ونزرق بإذن
الله ليلة القدر ، فأخلصوا لله واصدقوا في طلب رضاه ، وستبلغون مما يرضيه الآمال ،
فاللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا .
محبكم في الله :
هاني حلمي
|